فوزي آل سيف
60
من قصة الديانات والرسل
الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إبراهيم وَمُوسَى).[182] وهذه الرواية تستحق وقفات كثيرة، لكننا نجملها في الآتي: 1/ أن أبا ذر الغفاري وخلافًا للصورة التي يصورها عنه كتاب التاريخ الأموي والرسمي، في المسلمين من أنه كان شخصية فوضوية عنيفة، لكي يدافعوا بذلك عن معاوية بن أبي سفيان وربما عن مواقف الخليفة عثمان.. يظهر بصورة عالمٍ دقيقِ النظر وساعٍ وراء المعرفة من رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك أن سؤال المرء هو ترجمان عقله، وأسئلة أبي ذر تلك تنبي عن عقله ومعرفته.[183] فقد سأل النبي فيما سأله عن: أي آيات الله التي أنزلها عليه أعظم؟ فأجابه بأنها آية الكرسي. ثم سأله عن صحف إبراهيم وصحف موسى. وأجابه عنهما. 2/ إننا نلاحظ أن النبي صلى الله عليه وآله استجلب أولًا ما يرتبط بنظام الحكم والقضاء في صحف إبراهيم، فهل لهذا ارتباط بما سيواجهه أبو ذر من الحكومات المستأثرة والمهتمة بجمع الدنيا والساعية في الظلم كالدولة الأموية؟ لا ريب أن صحف إبراهيم وهي عشرون صحيفة فيها الشيء الكثير من التوجيهات لكن انتخاب النبيِّ التوجيهَ السياسيَّ (إن صح التعبير) أولًا، هو مُلفت للنظر فقد أخبره أن صحف إبراهيم هي أمثال؛ نظير: (أيها الملك المسلط المبتلى إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ولكني بعثتك لترد عني دعوة المظلوم فإني لا أردها وإن كانت من كافر). ففيها توجيه لقادة المجتمعات والسلاطين والرؤساء من الله سبحانه وتعالى الذي بيده أن يجعل الحكم والسلطان لهذا أو ذاك، أني ما جعلت الحكم لك أيها الحاكم لتجمع الأموال وتكدس الكنوز وتزيد أرصدتك، ليس هذا هو المطلوب منك. وإنما المطلوب هو أن تحجب عني دعوة المظلوم وذلك بأن توفيَه حقه. فإن المظلوم لو وجد قضاءً عادلًا ورأى أنه إذا ذهب إلى المحكمة الرسمية حصل على حقه، لن يدعو الله في جوف الليل على ظالميه. وبعبارة أخرى فإن من مسؤوليتك
--> 182 الأعلى: 14-19 183 بعض ما جاء في تلك الوصية ينبيك عن هذا المعنى المتقدم.. ثم استوصاه واستزاده من الوصية فقال: قال::"أوصيك بتقوى الله فإنها رأس الأمر كله". قلت: يا رسول الله، زدني. قال: "عليك بتلاوة القرآن وذكر الله عز وجل، فإنه نور لك في الأرض وذخر لك في السماء". قلت: يا رسول الله، زدني. قال: "إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب، ويذهب بنور الوجه". قلت: يا رسول الله، زدني. قال: "عليك بالجهاد، فإنه رهبانية أمتي". قلت: يا رسول الله، زدني. قال: "أحب المساكين وجالسهم". قلت: يا رسول الله، زدني. قال: "انظر إلى من هو تحتك ولا تنظر إلى من هو فوقك؛ فإنه أجدر ألا تزدري نعمة الله عليك". قلت: يا رسول الله، زدني. قال: "قل الحق وإن كان مراً" قلت: يا رسول الله، زدني. قال: "ليردك عن الناس ما تعلمه من نفسك، ولا تجد عليهم فيما تأتي، وكفى بك عيباً أن تعرف من الناس ما تجهله من نفسك، وتجد عليهم فيما تأتي". ثم ضرب بيده على صدري فقال: يا أبا ذر، لا عقل كالتدبير ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق".